اللهم احفظ ولاة امرنا
ملتقى قبيلة حبيشي على تويتر

منتدى القران الكريم منتدي بختص بتفسير القرآن الكريم ومعانيه وتلاوة آياته

إضافة رد
قديم 10-01-29, 04:09 PM
  #11
ابو حازم

مراقب سابق

تاريخ التسجيل: Aug-2009
المشاركات: 9,951
معدل تقييم المستوى: 67
ابو حازم
افتراضي رد: موسوعة افتراءات المنصرين على القرآن

ا - نفي الألوهية عن عيسى من خلال القرآن :
جاءت في القرآن آياتٌ محكمات متعددة تنفي الألوهية عن المسيح - عليه السلام - منها :
1 - قوله تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (المائدة : 17) وانظر (72) .
2 - وقوله تعالى : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (المائدة : 116) . فهذا عبد الله ورسوله إلى بني إسرائيل يكذب النصارى في دعوى تأليههم له وينزه الله - سبحانه وتعالى - عن أن يقول قولًا لا ينبغي له أن يقوله وهو أنه دعا النصارى إلى تأليهه .
3 - وقوله : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (التوبة : 31) .
4 - وقوله : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (المائدة : 73) وانظر النساء 171 : ) . فالله واحدٌ أحدٌ ليس معه إله غيره ، وهذا تهديد وتحذير من الله للنصارى عن القول بالتثليث وتأليه أحدٍ معه ومن أول ذلك تأليه المسيح - عليه السلام - لأن الخطاب للنصارى .
5 - وقوله تعالى : . . وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (التوبة : 30) . فقد شابهوا من كان يقول إن للآلهة أبناء من وثنيي اليونان والرومان وغيرهم من الوثنيين .
6 - وقوله تعالى : ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (مريم : 34 - 35) .
7 - وقوله : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (المائدة : 75) .
يقول ابن تيمية رحمه الله - في تفسير قوله تعالى كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ - : " وهذا من أظهر الصفات النافية للإلهية لحاجة الآكل إلى ما يدخل في جوفه ولما يخرج منه مع ذلك من الفضلات " .
ابو حازم غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 10-01-29, 04:10 PM
  #12
ابو حازم

مراقب سابق

تاريخ التسجيل: Aug-2009
المشاركات: 9,951
معدل تقييم المستوى: 67
ابو حازم
افتراضي رد: موسوعة افتراءات المنصرين على القرآن

ب - نفي الألوهية عن عيسى - عليه السلام - من خلال الأناجيل :
يقوم هذا الموضوع على ما نسب لعيسى - عليه السلام - من أقوال يثبت فيها صفاتٍ وأسماء لله نفاها هو عن نفسه - عليه السلام - فإضافة إلى كل عوارض البشرية التي طرأت على المسيح وتطرأ عليه - مما سوف يمر - والدالة على الحدوث والتغير من حالٍ إلى حالٍ وأنه لا يختلف في شيء عن غيره من الرسل إلا ما اختصه الله به . إضافة إلى ذلك جاء في الأناجيل :
1 - قوله : " فقال [ أي عيسى ] لها [ لأم ابني زبدي ] ماذا تريدين؟ قالت له : قل ، أن يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك فأجاب يسوع وقال لستما تعلمان ما تطلبان . . . أما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم من أبي " .
2 - قوله : " فأجاب يسوع وقال لهم الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلا ما ينظر الأب يعمل " . وقال : " ليس كل من يقول يا رب يدخل ملكوت السماوات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات " .
ففي النصوص السابقة نفى عيسى - عليه السلام - القدرة على إدخال من شاء ملكوت الله وأبان أنه لا يدخل ملكوت الله إلا من أراد الله وحده له ذلك وليس ذلك للمسيح لأن مشيئة المسيح تحت مشيئة الله ، وقدرته تحت قدرة الله كما في النص - الآنف الذكر - حيث يقول : " لا يقدر الابن [ المسيح ] أن يعمل من نفسه شيئًا إلا ما ينظر الأب [ الله ] يعمل " فالله وحده - سبحانه - هو القادر على كل شيء قدرة تليق بجلاله وعظمته . وقد جاء في نص آخر " . . . لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله " وكذا القول المنسوب إلى المسيح - عليه السلام - نفسه " عند الناس غير مستطاع ولكن ليس عند الله لأن كل شيء مستطاع عند الله " .
أما قدرة المسيح فهي قدرة محدودة تناسب مقامه وليس له إلا ما أقدره الله عليه . ومشيئة المسيح تحت مشيئة الله وبإذن الله كما قال المسيح - فيما نسب إليه - : " . . . يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت " .
3 - نسب إلى عيسى في الإنجيل قوله : " لا يقدر أحد أن يُقبل إلي إن لم يجتذبه الأب الذي أرسلني " .
فهنا الاجتذاب أو الهداية هداية توفيق خاصة بالله سبحانه وتعالى وليس للمسيح أن يهدي أحدًا إلا أن يشاء الله له الهداية على يد المسيح أو غيره .
4 - نسب إلى عيسى قوله : " وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الأب " وفي نصٍ آخر عن الموضوع نفسه - " إلا أبي وحده " وهذه النصوص في سياق إخباره لبني إسرائيل عن تهدم الهيكل . فعيسى - هنا - يخبر النصارى بأمر مستقبلي - وإن صح النقل عنه فهو بإعلام الله له - وعلى الرغم من هذا حينما سُئل عن وقت التهدم نفى علمه بوقت ذلك وأخبر أنه لا أحد يعلم ذلك لا الملائكة ولا هو - عليه السلام - وإنما الذي يعلم ذلك هو علام الغيوب وحده وهو الله سبحانه وتعالى وليس للمسيح من علم الغيب شيء إلا ما أطلعه الله عليه .
وجاء في نص آخر " وفي الغد لما خرجوا من بيت عينا جاع فنظر شجرة تينٍ من بعيد عليها ورق وجاء لعله يجد فيها شيئًا فلما جاء إليها لم يجد شيئًا إلا ورقًا لأنه لم يكن وقت التين " فسبحان الله هذا النص ظاهر جلي في بشرية عيسى - عليه السلام - ونفي لألوهيته من وجوه منها :
- أنه لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه فلو كان إلهًا - تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا لما كلف نفسه مشقة الذهاب إلى الشجرة الخالية من أثمار التين .
- ثم لو كان إلهًا لعلم أن هذا ليس وقت إثمار أشجار التين ، فهل يجهل الإله أمرًا كهذا؟
- ثم لو كان إلهًا لأمر الشجرة أن تنبت تينًا فأنبتت .
- ثم هل الإله يجوع؟ إن هذا نقص في إلههم المزعوم أما الله الإله الحق فهو الغني جل وعلا .
6 - ينسب إلى عيسى قوله : " . . . لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأنني قلت أمضي إلى الأب لأن أبي أعظم مني " فعيسى يصرح أن الآب [ الله ] أعظم منه فهناك فارق كبير عبر عنه بأفعل التفضيل بينه وبين ربه وخالقه سبحانه وتعالى وإذا كان عيسى قد نطق بأن الله أعظم منه فإن هذا وفق مفهوم المخالفة يعني أن عيسى أقل من الله ، وهو ما يوضح أنه ليس هو الله ، ولا ابن الله كما تزعم النصارى حيث يقولون إنه ابن الله الذي هو : (الله في المسيح ) تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا .
7 - ينسب إلى عيسى قوله " وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه [ أحاكمه وأحاسبه ] لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم من رذلني فله من يدينه " إذًا يوضح عيسى أن مالك الحساب والجزاء إنما هو غيره فعيسى لا يملك هذا وإنما الذي يملكه هو الله سبحانه وتعالى وحده كما يوضحه السياق بعده وكما يوضحه قوله السابق " أبي أعظم مني " وهذا - أيضًا - نفي لألوهية عيسى - عليه السلام - .
8 - قال عيسى " . . اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم : إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم " فيُسَمي المؤمنين به (إخوتي) ثم يقول " أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم " فمثله مثل المؤمنين به ، ربه الله ، وإلهه الله - سبحانه وتعالى - وهذا اعتراف بألوهية الله ، وفي الوقت نفسه نفي قوي على لسانه لألوهيته المفتراة على الله - سبحانه وتعالى - ثم عليه ثم كيف يكون هو إله نفسه؟
9 - جاء في الإنجيل أن " الله لم يره أحد قط " وقول المسيح عن الله سبحانه وتعالى : " لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته " بينما أبصروا المسيح وسمعوا صوته ، وكلمهم وكلموه ، بل وأكل وشرب معهم وتفل على التراب فعجن الطين وطلى به أعين عُمْيٍ إلى غير ذلك مما سوف يمر من دلائل بشريته . وهذا كله ينفي الألوهية عن المسيح - عليه السلام - .
10 - كثرت النصوص الإنجيلية التي توضح أن عيسى كان يدعو الله - سبحانه وتعالى - ويسجد له ، ويخضع له ، ويصوم له ، حتى بلغ صيامه أربعين نهارًا وأربعين ليلة . وأنه يفعل ما يرضي الله - سبحانه - ويحفظ أقواله . فلمن يتوجه عيسى - عليه السلام - بهذه العبادات؟ أيعبد عيسى نفسه؟ أم هل يدعو نفسه؟ أم هل يصوم لنفسه؟ هل العابد هو عين المعبود؟ إن هذا محال عقلي ، مثبت لعدم ألوهية عيسى - عليه الصلاة والسلام - وأن الإله هو غير عيسى وهو الذي يتوجه له عيسى بأنواع العبادات : أنه الله - سبحانه وتعالى - وحده .
ابو حازم غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 10-01-29, 04:11 PM
  #13
ابو حازم

مراقب سابق

تاريخ التسجيل: Aug-2009
المشاركات: 9,951
معدل تقييم المستوى: 67
ابو حازم
افتراضي رد: موسوعة افتراءات المنصرين على القرآن

ثالثًا : بشرية عيسى - عليه السلام - وعبوديته من خلال القرآن والأناجيل :
ينقسم هذا الموضوع إلى الفقرتين التاليتين :
أ - بشرية عيسى عليه السلام وعبوديته من خلال القرآن :
أخبر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أن عيسى عليه السلام عبد من عبيد الله كما قال تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ (النساء : 172) .
وكما قال تعالى : قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (مريم : 30) . يقول ابن كثير : " أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد وأثبت لنفسه العبودية لربه " .
وقد جاء في آيات أخرى قوله . . . أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ (المائدة : 117) . وقوله تعالى : وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (مريم : 36) . فهو إنسان مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى كما خلق آدم من تراب قال تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (آل عمران : 59) . وكما قال تعالى - على لسان مريم - : قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (آل عمران : 47) .
فعيسى - عليه السلام - ولد لمريم خلقه الله ووهبه لها كما قال تعالى . . . لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (مريم : 19) . فهو ولد لمريم مخلوق وليس بإله ولا ابن إله فنسبه بشري عائد إلى أمه فهو في القرآن الكريم : المسيح عيسى ابن مريم بنت عمران من بني إسرائيل ومن ذرية إبراهيم ومن ذرية نوح وقد حملت به والدته كما أراد الرحمن - سبحانه وتعالى - من أم بلا أب ووضعته بعد مخاض وجاءت به قومها تحمله فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (مريم : 29) . وكان يأكل الطعام هو وأمه كما قال تعالى كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ (المائدة : 75) . بكل ما يعنيه ذلك من حاجة للطعام ولإخراجه والنمو والتحول من حال إلى حال وهو كما خلق من تراب بعد أن لم يكن شيئًا وولد بعد أن كان جنينًا واكتهل بعد أن كان صبيًا فسوف يموت بعد نزوله في آخر الزمان ثم يبعث حيًّا كما قال تعالى على لسان عيسى وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (مريم : 33) . فهو إنسان يطرأ عليه ما يطرأ على أمثاله من البشر من عوارض . وهو عبد من عباد الله . خلقه الله سبحانه وتعالى من أم بلا أب آية للعالمين ومثلًا لبني إسرائيل . كما قال تعالى وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (المؤمنون : 50) .
وكما قال تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (الزخرف : 59) .
كما أوصاه الله سبحانه بعبادته ما دام حيًّا كما قال تعالى على لسان عيسى : وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (مريم : 31) .
فمحكم القرآن يدل على أن عيسى عليه الصلاة والسلام إنسان مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى كما شاء واقتضته حكمته وهو عبد من عباد الله الذين أنعم الله عليهم ولن يستنكفوا عن عبادته سبحانه وتعالى .

ابو حازم غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 10-01-29, 04:12 PM
  #14
ابو حازم

مراقب سابق

تاريخ التسجيل: Aug-2009
المشاركات: 9,951
معدل تقييم المستوى: 67
ابو حازم
افتراضي رد: موسوعة افتراءات المنصرين على القرآن

ب - بشرية عيسى - عليه السلام - وعبوديته من خلال الأناجيل :
تدل الأناجيل الحالية على بشرية عيسى - عليه السلام - وعبوديته دلالة بينة حيث جاء في بعضها فيما ينسب إلى عيسى عليه السلام قوله : " . . . ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله " فعيسى - عليه السلام - وضع نفسه في الموضع اللائق به وهو أنه إنسان رسول يدعوهم ويبلغهم بما أوحاه الله إليه وكفى بذلك دليلًا على بشريته وعبوديته وأنه ليس بإله حيث أثبت بشريته وأثبت لنفسه العبودية والخضوع لمن أرسله وهو الله - سبحانه وتعالى - إلهه وإله بني إسرائيل والخلق أجمعين كما جاء فيما نسب إليه قوله " إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم " وقوله " اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " .
وفي الأناجيل ما يدل على عبادة عيسى - عليه السلام - وطاعته لله سبحانه وتعالى حيث صام و " خر على وجهه وكان يصلي قائلًا : يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت " .
كما أنه " خرج إلى الجبل ليصلي وقضى الليل كله في الصلاة لله " . وسبحان الله قضى الليل كله يصلي لخالقه وإلهه وربه فأنى يكون إله ، أو يكون هو الله - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا - ؟ أنى يكون العابد هو عين المعبود ؟ ولا سيما أنه كان " يصلي بأشد لجاجة " لله سبحانه وتعالى . بل جاء - فيما نسب إليه - في الأناجيل أنه قال " . . . لم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " فهو مجتهد في عبادة ربه سبحانه وتعالى - خاضع له ومطيع له في كل وقت وحين .
ثم إن نظرة معاصري عيسى - عليه السلام - له لم تكن إلا على أنه إنسان وليس بإله . من ذلك قوله " أجاب الخدام : لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان فأجابهم الفريسيون : ألعلكم أنتم أيضًا قد ضللتم . . . ألعل ناموسنا يدين إنسانًا لم يسمع منه أولًا " . وفي نص آخر " فقالوا له كيف انفتحت عيناك [لرجل أعمى أبصر بإذن الله على يد عيسى ] أجاب ذاك وقال : إنسان يقال له يسوع . . . " .
كما أن نسب عيسى عليه السلام وفق الأناجيل أنه : المسيح عيسى ابن مريم من نسل داود ومن ذرية إبراهيم - عليهم الصلاة والسلام - خلقه الله من أم بلا أب بقدرته كما خاطب جبريل مريم - عليهما السلام - حيث قال لها : " لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله " حينما تعجبت واستفهمت من جبريل " كيف يكون هذا [ أي الحمل بعيسى وولادته ] وأنا لست أعرف رجلًا " . فأمه مريم وتزعم الأناجيل أن له إخوة وأخوات ممن ادعت أنه زوج أمه وهو يوسف النجار ونسيبة أمه - كما جاء في الأناجيل هي أليصابات أم يحيى عليه السلام وهي من بنات هارون وبذلك يحيى وزكريا من قرابة عيسى .
كذلك من أدلة بشرية - عيسى عليه السلام - كما جاء في الأناجيل : أن أمه حملت به عدة الحمل كاملة ، ثم ولدته بعد أن لم يكن شيئًا وختن بعـد أن كـان أغلفًا واكتهل بعد أن كان صبيًا وتعلم القراءة والكتابة . وكتب بإصبعه على الأرض وجاع وطعم بل أكل الفصح مع حواريه كما شرب الماء ومشى فتعب وتصبب عرقًا حتى بلغ عرقه الأرض ثم جلس من التعب وامتطى الجحش وتفل على الأرض ، وصنع من التفل طينًا ، وطلى بالطين عيني الأعمى وحزن واكتأب ثم بكى . وكان يجثو على ركبتيه ويخر على وجهه إلى الأرض ساجدًا لله سبحانه وتعالى ، إلى غير ذلك مما جاء في الأناجيل .
كما أن من الأمور التي تجلي عبودية عيسى - عليه السلام - وبشريته سوى ما ذكر هنا ما أثبته عيسى - عليه السلام - من أسماء وصفات لله وحده نافيًا إياها عن نفسه عليه السلام مثل : أن الله هو القادر وحده ، وأنه هو الهادي وحده ، وأنه هو علام الغيوب ، وأنه العظيم ومالك يوم الدين ، وأنه لا يُرى في الدنيا إلى آخر ما مر .
لذا ولغيره ذكر أبو الوليد الباجي - ردًا على راهب من فرنسا - أن عيسى عليه السلام " بشر مخلوق وعبد مربوب لا يعدو عن دلائل الحدوث من . . . . . والتغير من حال إلى حال وأكل الطعام والموت الذي كتب على جميع الأنام . . . ولو جوزنا كونه - صلى الله عليه وسلم - مع هذه الصفات والأحوال المحدثات إلهًا قديمًا لنفينا أن يكون العالم أو شيء مما فيه محدثًا مخلوقًا لأنه ليس في شيء مما ذكرنا من البشر والعالم وما فيه من الحيوان والجماد من دلائل الحدوث غير ما في عيسى عليه السلام " .
إن ما سبق مثبت لبشرية عيسى عليه السلام وعبوديته فماذا عن نبوة عيسى عليه السلام ورسالته؟ هذا ما سوف يُدرس تاليًا .
ابو حازم غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 10-01-29, 04:12 PM
  #15
ابو حازم

مراقب سابق

تاريخ التسجيل: Aug-2009
المشاركات: 9,951
معدل تقييم المستوى: 67
ابو حازم
افتراضي رد: موسوعة افتراءات المنصرين على القرآن

رابعًا : نبوة عيسى - عليه السلام - ورسالته من خلال القرآن والأناجيل :
ينقسم هذا الموضوع إلى فقرتين : -
ا - نبوته ورسالته - عليه السلام - من خلال القرآن :
يوضح القرآن أن المسيح عيسى - عليه السلام - نبي رسول وهو من أولي العزم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
وهذه بعض الآيات الدالة على رسالة عيسى ونبوته :
يقول تعالى : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ (المائدة : 75) . ويقول تعالى : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ (النساء : 171) . ويقول تعالى على لسان عيسى وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (آل عمران : 49) . كما يقول تعالى : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (الصف : 6) . . ويقول تعالى : قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (مريم : 30) .
فعيسى نبي رسول من رسل الله وظيفته طاعة الله وإبلاغ رسالة ربه - سبحانه وتعالى - التي أرسله بها وأمره بإبلاغها وحث بني إسرائيل على عبادة الله كما قال تعالى عن عيسى مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (المائدة : 117) . وكما قال تعالى عن عيسى . إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( آل عمران : 51) .
ابو حازم غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 10-01-29, 04:14 PM
  #16
ابو حازم

مراقب سابق

تاريخ التسجيل: Aug-2009
المشاركات: 9,951
معدل تقييم المستوى: 67
ابو حازم
افتراضي رد: موسوعة افتراءات المنصرين على القرآن

ب - نبوته ورسالته عليه السلام من خلال الأناجيل :
كذلك تدل الأناجيل الموجودة اليوم على نبوة عيسى ورسالته فقد جاء في الأناجيل نصوص عدة منها :
1 - " أما يسوع فقال لهم : ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته " فهذا مما ينسب إليه من أقوال يشير بها إلى نفسه .
2 - ومما يوضح نظرة بعض المدعويين من بني إسرائيل له وأنه نبي قوله : " ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم ، وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه خافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي " .
3 - وقوله " ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة من هذا فقالت : الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل " .
4 - مر بنا قول عيسى عليه السلام " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته " .
5 - وقوله : " فنادى يسوع وهو يعلم في الهيكل قائلًا : تعرفونني وتعرفون من أين أنا ومن نفسي لم آت بل الذي أرسلني هو حق الذي أنتم لستم تعرفونه أنا أعرفه لأني منه وهو أرسلني " .
فهذا من أقواله التي يوضح فيها أنه رسول من رسل الله .
إن ما سبق من نصوص تدل على نبوة عيسى عليه السلام ورسالته من خلال الأناجيل على أن هناك نصوصًا أخرى تضيف إلى ما سبق بيان مهمة عيسى عليه السلام ووظيفته التي أرسله الله من أجلها ألا وهي الدعوة إلى الله وإلى عبادته وطاعته وإبلاغ ما أمره الله أن يبلغه لبني إسرائيل من دين الله الذي أنزل على يديه آنذاك وهو النصرانية الصحيحة الموحدة التي نسخها الله بالإسلام ولذا يسمى عيسى في الأناجيل معلم . وهي وظيفة الرسل حيث يعلمون الناس الخير ويبلغونهم دين الله سبحانه وتعالى .
وإن النصوص الدالة على ذلك :
1 - قول الإنجيل " وبعدما أسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز [يدعو] ببشارة ملكوت الله ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل " فها هو عيسى يدعو بني إسرائيل إلى التوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والإيمان بالإنجيل كتاب الله الذي أنزله عليه .
2 - قوله " فقال لهم إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضًا بملكوت الله لأني لهذا قد أرسلت فكان يكرز في مجامع الجليل " .
3 - قوله " فقال لهم لنذهب إلى القرى المجاورة لأكرز هناك أيضًا لأني لهذا خرجت " .
4 - وجاء في الإنجيل قوله : " كان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت "
5 - كما جاء قوله " حينئذٍ ابتدأ يوبخ المدن التي صنعت فيها أكثر قواته [ المعجزات التي أظهر الله على يديه ] لأنها لم تتب : ويلٌ لك يا كورزين ، ويل لك يا بيت صيدا . . . وأنت يا كفرنا حوم " .
6 - جاء قوله " . . . ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني مادام نهار ، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل " .
7 - قوله " . . . لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم " . يصدق هذا ما جاء في القرآن على لسان عيسى مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ( المائدة : 117) .
فعيسى عليه - الصلاة والسلام - كما تدل عليه الأناجيل نبي رسول جاء لإبلاغ بني إسرائيل رسالة ربه ليتوبوا من معاصيهم وآثامهم ويتبعوا كتاب الله الذي أنزله الله عليهم آنذاك على يد عيسى وهو الإنجيل .
هذه ردود مجملة وسوف يتكلم فيما يأتي على الردود المفصلة .
ابو حازم غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 10-01-29, 04:15 PM
  #17
ابو حازم

مراقب سابق

تاريخ التسجيل: Aug-2009
المشاركات: 9,951
معدل تقييم المستوى: 67
ابو حازم
افتراضي رد: موسوعة افتراءات المنصرين على القرآن

المبحث الثالث
رد تفصيلي على ما سبق من ادعاءات المنصرين على القرآن
سبق ذِكْرُ ادعاءات ثلاثة يعرضها النصارى والمنصرون على أنها أدلة لهم يستندون إليها في زعمهم أن القرآن يؤيد ألوهية المسيح عليه السلام . وفي هذا المبحث سوف تُدرس هذه الادعاءات ويُرد عليها على نحو مفصل كما يأتي :
المطلب الأول : الرد على ادعاء المنصرين أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح .
المطلب الثاني : الرد على ادعاء المنصرين أن المسيح روح من الله - بجعل من للتبعيض - وكلمته التي تجسدت وصارت إنسانًا .
المطلب الثالث : الرد على ادعاء المنصرين أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى والتي ذُكرت في القرآن ولا سيما إحياء الموتى دليل على ألوهية المسيح .
وهذا أوان دراسة هذه الادعاءات والرد عليها تفصيلًا .


المطلب الأول : الرد على ادعاء المنصرين
أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح

يزعم النصارى والمنصرون أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن مثل : إنا ، ونحن ، ونا الفاعلين ، وضمائر المتكلمين المستترة وجوبًا . . . إلخ - تدل على ثلاثة آلهة أحدهم المسيح عليه السلام الذي يسعون لإثبات ألوهيته من خلال آيات القرآن . وادعاؤهم هذا قال به نصارى نجران - كما مر - ويقول به غيرهم من المنصرين إلى اليوم .
وضمائر الجمع الآنفة الذكر إما أن تكون دالة من حيث اللغة على الظاهر وهو الجمع ، أو دالة على غيره وهو المفرد أو المثنى :
ففي الحالة الأولى وهي : دلالة ضمائر الجمع على ظاهرها (الجمع) فإن هناك أمورًا عدة منها :
1 - ما حد الجمع حينئذ؟ إن حد الجمع لغةً : ثلاثة فما زاد ، أو اثنان فما زاد .
فإن كان أقل الجمع اثنين فإنه لا حجة للنصارى والمنصرين البتة في ظاهر ضمائر الجمع حينئذ ويكون ذلك هادمًا لادعائهم من أركانه .
وإذا كان أقل الجمع ثلاثة فإنه ظاهر الضمائر حينئذ يدل على الثلاثة فما زاد أي : ثلاثة أو أربعة ، أو خمسة ، أو ألف ، أو ألف ألف . . إلخ . فما المسوغ الذي حصر الجمع في الثلاثة فقط؟ إنه لا يوجد مسوغ واحد في القرآن قد يوحي ولو من بعيد بأن ضمائر الجمع المذكورة آنفًا يمكن أن تدل حصرًا على الثلاثة ولا يمكن أن يوجد ذلك في القرآن لأن مما يبطل احتمال وجود هذا ويجتثه من جذوره : الآيات المحكمات الواضحات الكثيرة الدالة على وحدانية الله ونفي الشريك معه - سبحانه وتعالى - بعامة ونفي ألوهية المسيح وبنوته بخاصة ، فليس لدى النصارى أي مسوغ من خلال القرآن لدعواهم هذه وإنما هي معتقداتهم النصرانية أرادوا إنزالها على آي القرآن الكريم تعسفًا ومغالطة .
وخلو دعواهم من الدليل أو المسوغ الذي يحصر الضمائر في ثلاثة يفتح الباب عليهم ، فلو ادعى مدع أنها كما تدل على التثليث تدل على التربيع أو التخميس أو التسديس . . إلخ وهو ظاهر الجمع لما استطاعوا دفع ذلك على نحو مقبول ؛ مما يبطل دعواهم ومزاعمهم في حصر دلالة الجمع على الثلاثة فقط . وحينئذ تتساوى الدلالات والاحتمالات مع عدم وجود مرجح أو قرينة تؤيد هذا دون ذاك ، فتكون ضمائر الجمع الآنفة الذكر حينئذ قابلة لما سبق ذكره من التثليث أو التسبيع . . إلخ . فيبطل وجه استشهادهم بضمائر الجمع على ألوهية المسيح فيما لو قلنا على سبيل الفرض إنها على ظاهرها .
2 - لنفترض - جدلًا - أن ضمائر الجمع تدل على الثلاثة حصرًا فما طبيعة هذا الجمع حينئذ؟ وما كنهه؟ وما معنى ذلك؟
لو قال قائل نحن فعلنا كذا وكذا . أليست الدلالة اللغوية حينئذ - بعد افتراضنا حصر الجمع في الثلاثة - هي أن هؤلاء الجماعة (الثلاثة) الذين يدل عليهم الضمير (نحن) هم : ثلاثة ذوات : المتكلم ومعه اثنان آخران غيره : أليسوا هم : فلانًا بكل ما له من هيئة وخلقه ، وصفات وشخصية . . . إلخ وفلانًا بكل ما له من طول ، وعرض ، وصفات وملامح تختلف عن الأول . . . إلخ ، وفلانًا الثالث المختلف في ذاته وملامحه . . . إلخ عن الاثنين السابقين ، مما يجعل الضمير يدل على ثلاثة ذوات منفصل بعضها عن بعض ؛ لذا يقول عبد الرحمن الجزيري : " لنفرض أن ذلك الضمير للجماعة بخصوصها فإنما يدل على جماعةٍ متعددةٍ متباينةٍ كما إذا قال شخص : قمنا أو قعدنا وكان معه غيره فإنه لا يفهم منه لغة إلا أن المتكلم معه زيد وعمرو وهما غيره ، فمن أين يأتي هذا الاتحاد والتركيب المزجي " ؟
كما يقول ابن تيمية : " وقوله : إِنَّا نَحْنُ لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال وعلى الواحد " . ولذلك إن كان الضمير - فرضًا - دالًا على الثلاثة فإنه يعني - كما مر - ثلاثة ذوات مختلفة إحداهن عن الأخريين . وهذا أمر يرفضه النصارى أنفسهم إذ يتناقض مع ما يعتقدونه من أن إلههم ذات واحدة وليس ثلاثة ذوات ، وتفصيل اعتقادهم - كما هو معروف - ثلاثة أقانيم في ذات واحدة في مصادمة للعقل والمنطق لا يقبلها سليم عقل البتة ، بينما ضمائر الجمع تدل على ثلاثة ذوات متغايرة ، وذلك بعد افتراضنا الحصر على الثلاثة .
وعليه ليس للنصارى مُتمسَّك في ضمائر الجمع إن دلت على ظاهرها لأنها سوف تدل على اثنين فأكثر دون وجود مسوغٍ يحصر الدلالة في الثلاثة وهذا كما مر آنفًا مسقط لدعواهم .
فإن حصرت فرضا في ثلاثة دلت على ثلاثة ذوات متباينة ومتغايرة ، وهو كسابقه مسقط لدعواهم في محاولة إثبات التثليث من خلال الضمائر الآنفة الذكر ومن ثم محاولة إثبات ألوهية عيسى عليه السلام من خلال القرآن الكريم .
فكيف إذا كانت هناك مسوغات بل آيات محكمة وحجج وبراهين قاطعة من القرآن والتوراة والأناجيل تجعل ضمائر الجمع - آنفة الذكر - تدل بداهة على خروجها عن ظاهرها إلى ما يخالف الظاهر فتدل حينئذ على وحدانية الله - سبحانه وتعالى - وأنه لا شريك له وأنه واحدٌ أحدٌ صمدٌ لم يلد ولم يولد ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، بشرٌ مخلوق من تراب مثله كمثل آدم - عليهما السلام - وليس إلهًا ولا ابن إله وأنه سوف يموت . . . إلخ
إن ذلك وحدة كافٍ في إيضاح وجهة دلالة ضمائر الجمع الآنفة الذكر وأنها تدل على الوحدانية ليس إلا . فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن من الأساليب العربية الفصيحة الشائعة في اللغة استخدام ضمائر الجمع للدلالة على غير الجمع ولا سيما المفرد؟ وهذا ما يدعو إلى دراسة الحالة الثانية تفصيلًا . وهي : -
ابو حازم غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 10-01-29, 04:15 PM
  #18
ابو حازم

مراقب سابق

تاريخ التسجيل: Aug-2009
المشاركات: 9,951
معدل تقييم المستوى: 67
ابو حازم
افتراضي رد: موسوعة افتراءات المنصرين على القرآن

خروج ضمائر الجمع عن الظاهر (الجمع) إلى غيره ولا سيما المفرد :
وهنا موضوعان :
الأول : ما يقوله بعض علماء اللغة عن هذا الأسلوب والشواهد اللغوية المستخرجة من القرآن الكريم ، والشعر الجاهلي .
الآخر : النصوص اللغوية التوراتية والإنجيلية في الموضوع نفسه .
أما عن الموضوع الأول فهناك نقاط عدة منها :
1 - أن هذا أسلوب سائغ لغة يقول ابن قتيبة " ومنه [ أي من خروج ضمير الجمع عن ظاهره إلى ما يخالف الظاهر] أن يخاطب الواحد بلفظ الجمع كقوله سبحانه . . . قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (المؤمنون : 99) . وأكثر من يخاطب بهذا الملوك لأن مذاهبهم أن يقولوا : نحن فعلنا يقوله منهم يعني نفسه فخوطبوا بمثل ألفاظهم " .
كما يقول ابن فارس - رحمه الله - : " ومن سنن العرب مخاطبة الواحد بلفظ الجمع فيقال للرجل العظيم : انظروا في أمري وكان بعض أصحابنا يقول : إنما يقال هذا لأن الرجل العظيم يقول : نحن فعلنا : فعلى هذه الابتداء خوطبوا في الجواب " . فهل هناك من هو أعظم من مالك الملك وأولى منه بمثل هذا الأسلوب؟
يقول ابن تيمية - رحمه الله - إن ضمير الجمع يقع " على من كان له شركاء وأمثال وعلى الواحد المطاع العظيم الذي له أعوان يطيعونه وإن لم يكونوا شركاء ولا نظراء ، والله تعالى خلق كل ما سواه فيمتنع أن يكون له شريك أو مثيل والملائكة وسائر العالمين جنوده تعالى . . . فإذا كان الواحد من الملوك يقول : إنا ونحن ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك فمالك الملك رب العالمين ، ورب كل شيء ومليكه هو أحق بأن يقول : إنا ونحن مع أنه ليس له شريك ، ولا مثيل بل له جنود السماوات والأرض " .
2 - اللغة العربية مليئة بالشواهد على خروج ضمائر الجمع عن ظاهرها للدلالة على المفرد ومن ذلك ما في الشعر الجاهلي :
يقول امرؤ القيس - حين رأى قبر امرأة في سفح جبل عسيب الذي مات عنده - : "
أجارتنــا إن الخــطوب تنـوب
أجارتنــاإنــا غريبــان ههنــا
فــإن تصلينـا فالقرابـة بيننـا
أجارتنـا مـا فاتليس يؤوب
وإني مقيم ما أقام عسيب
وكـل غـريبللغـريب نسيب
وإن تصرمينـا فالغريب غريب
وما هو أتٍ في الزمان قريب
" ويقول عمرو بن كلثوم متغزلًا :
قفــي قبــل التفــرق يـا ظعينـا
قفينسألك هل أحدثت صرما
نخـــــبرك اليقيــــن وتخبرينــــا
لوشـك البيـن أم خـنت الأمينا
ويقول زهير بن أبي سلمى مخاطبًا هرم بن سنان والحارث بن عوف :
سألنا فأعطيتم وعُدْنا فـعـدتـمُ
ومن أكثر التَّسْآل يومًا سيحرمِ
ويقول الحارث بن حلِّزة متغزلًا : -
آذَنتنــا ببَيْنِهــا أســماء
رب ثاوٍ يمل منه الـثـواء
ويقول الجميح : منقذ بن الطماح في زوجته :
أمسـت أمامـة صمتًـا ما تكلمنا
فـإنتقـري بنـا عينًا وتختفضي
مجنونة أم أحست أهل خَرُّوبي
فينــاوتنتظــري كــري وتغـريبي
فضمائر المتكلمين في : أجارتنا ، وتصلينا ، وتصرمينا ، ونخبرك ، وتخبرينا ، ونسألك وسألنا وعدنا وآذنتنا ، كلها ضمائر جمع للمتكلمين قصد بها الواحد كما هو واضح من السياق .
3 - من الشواهد اللغوية في القرآن التي استخدمت فيها ضمائر الجمع للدلالة على غير الجمع مع أن الضمائر فيها تعود إلى غير الله سبحانه وتعالى ما يأتي :
قوله تعالى وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (الأنبياء : 78) . وقوله تعالى ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (فصلت : 11) . فالضمير في قوله (لحكمهم) ضمير جمع يدل على المثنى وليس على الثلاثة فأكثر ولا على الواحد وكذلك ياء الجماعة في (طائعين) ومثل ذلك قوله (أتينا) هذه بعض أمثلة استخدام ضمائر الجمع للدلالة على المثنى .
أما استخدام ضمائر الجمع في القرآن للدلالة على المفرد فشواهدها :
قوله تعالى عن الخضر وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (الكهف : 80 - 81) . . وقال تعالى . . . . . قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (الكهف : 86 - 88) . . وقال تعالى وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (النمل : 16) .
فالضمائر في : (فخشينا) و (فأردنا) و (نعذبه) و (سنقول) و (أمرنا) و (علمنا) و (أوتينا) ضمائر جمع تدل على واحد وليس على اثنين أو ثلاثة أو أكثر .
4 - من العجيب أن عبد المسيح الكندي نفسه استخدم ضمير الجمع للدلالة على المفرد على نفسه هو في عرض شبهته نفسها حيث قال : " . . . . . وشبيه بما ذكرنا . . " . وهذا في رسالته كثير فهل هو ثالث ثلاثة؟ وهكذا القسيس فندر حيث قال : " وإنما أوردنا ذلك إشعارًا بأننا لا نخطئ " إن هذا دليل على أن هذا الأسلوب شائع مستخدم بكثرة ولا سيما في الكتب وعند الكتاب ويجري في سليقة العرب وسنن العربية قديمًا وحديثًا وليس فيه أدنى غرابة أو شبهة لكن النصارى قوم مُلبسون .

ابو حازم غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 10-01-29, 04:16 PM
  #19
ابو حازم

مراقب سابق

تاريخ التسجيل: Aug-2009
المشاركات: 9,951
معدل تقييم المستوى: 67
ابو حازم
افتراضي رد: موسوعة افتراءات المنصرين على القرآن

أما الموضوع الآخر :
فهو نصوص لغوية من خلال التوراة والأناجيل تدل على المفرد أو المثنى وهي في صورة الجمع :
أولًا : شواهد توراتية
وهي إما ان تدل : على المفرد أو على المثنى :
أ ) شواهد تدل على المفرد منها :
( 1 ) جاء في سفر التكوين " وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا " .
( 2 ) وجاء فيه : " وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا " .
( 3 ) وجاء فيه " هلم ننزل و نبلبل هناك لسانهم " .
فهذه ضمائر جمع تدل على المفرد وعلى الرغم من أن النصارى قد يحرفونها كما حاولوا ذلك في القرآن إلا أن مما يوضح دلالتها على المفرد النصوص التوراتية التي تدل على الوحدانية - كما مر سابقًا - كما يؤيد ذلك أن اليهود الذين نزلت التوراة بلغتهم على مختلف عصورهم وتعدد أنبيائهم ما فهموا من ضمائر الجمع هذه إلا دلالتها على المفرد إذ إن ذلك هو معتقد الدين اليهودي كما هو معروف .
( 4 ) جاء في نشيد الإنشاد " ارجعي ارجعي ياشولميت ارجعي ارجعي فننظر إليك " .
وسياق هذا النص تشبيب من حبيب بمحبوبته ودلالة هذا النص على الواحد واضحة جدًا إذ يقوله محب - بزعمهم - في محبوبته ، وسياق هذا السفر كله غزلي .
ب ) شواهد تدل على المثنى :
جاء في العهد القديم قوله " تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل ولنبث في القرى لنبكرن إلى الكروم لننظر هل أزهر الكرم " .
وقوله " اجذبني وراءك فنجري " فهذه ضمائر جمع أريد بها المثنى كما هو واضح من السياق .
ثانيًا : شواهد إنجيلية :
من الشواهد الإنجيلية لاستخدام ضمائر المتكلمين التي تدل على الفرد : قول بولس : " كما هو مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسى فماذا نقول ألعل عند الله ظلمًا حاشا " . ويقول أيضًا : " إذًا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس . . أفنبطل الناموس بالإيمان حاشا بل نثبت الناموس " . ويقول أيضًا : " فماذا نقول إن أبانا إبراهيم قد وجد حسب الجسد " . ويقول : " فماذا نقول إن الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر الذي بالإيمان " . بل قال بولس : " لذلك أردنا أن نأتي إليكم أنا بولس مرة ومرتين وإنما عاقنا الشيطان " .
فقوله : ( فماذا نقول ) و ( نحسب ) و ( أفنبطل ) و ( نثبت ) و ( أردنا ) و ( نأتي ) و( عاقنا ) تشتمل على ضمائر جمع مستترة وجوبًا أو ضمائر ظاهرة أسندت إلى أفعال وهي تدل على مفرد هو بولس وحده وليس ثلاثة هو ثالثهم .
وهكذا نرى أن من الأساليب المعهودة في اللغة العربية التي نزل بها القرآن وترجمت إليها التوراة والإنجيل استخدام ضمائر الجمع للدلالة على المثنى أو على المفرد فقط وقد استخدمت لتعود إلى غير الله مما يبين فساد دعوى النصارى والمنصرين في أن ضمائر الجمع المسندة لله سبحانه وتعالى في القرآن تدل على ألوهية عيسى عليه السلام بزعم دلالتها على التثليث ، وإنما هو أسلوب من أساليب التعظيم أولى به الخالق سبحانه وتعالى من كل مخلوق ، واستخدامه جرى على لسان العرب كثيرًا حتى النصارى - كما مر - وهو إلى اليوم معهود غير مستغرب سواء في مخاطبات الملوك أو غيرهم .
ابو حازم غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 10-01-29, 04:18 PM
  #20
ابو حازم

مراقب سابق

تاريخ التسجيل: Aug-2009
المشاركات: 9,951
معدل تقييم المستوى: 67
ابو حازم
افتراضي رد: موسوعة افتراءات المنصرين على القرآن

المطلب الثاني : الرد على ادعاء المنصرين


أن المسيح روح من الله - بجعل مِنْ للتبعيض - وكلمة الله التي تجسدت وصارت إنسانًا


يزعم المنصرون أن (الكلمة) هي عيسى - عليه السلام - وادعاؤهم هذا تابع من إسقاط اعتقاداتهم ومعانيهم الباطلة على الآيات التالية أو بعضها :
قوله تعالى يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ( النساء : 171) . . وقوله تعالى فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (مريم : 17) . وقوله تعالى وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء : 91) . وقوله تعالى وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (التحريم : 12) . وقوله تعالى فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (آل عمران : 39) . وقوله تعالى إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (آل عمران : 45) .
وادعاءات المنصرين هنا تنقسم إلى قسمين :


القسم الأول : ما يتعلق بكون عيسى كلمة الله أو كلمة من الله .
والقسم الثاني : ما يتعلق بكون عيسى روحًا من الله أو روح الله . أما القسم الأول ففيه نقاط عدة :
ا - زعم الكندي أن القرآن " صرح بأن المسيح كلمة الله تجسدت وصارت إنسانًا " . فهو يشير إلى معتقد النصارى المعروف وهو أن عيسى هو الكلمة والكلمة هي الله فعيسى هو الله - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا - وهذا صريح في إنجيل يوحنا كما مر سابقًا .
ونِسبة هذا الكفر إلى القرآن بهتان عظيم وكذب صريح على القرآن المحفوظ كما أنزل فليأت النصارى بنص يدل على هذا المعنى الباطل . إنما الذي في القرآن إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (آل عمران : 59) . .
فمن الواضح أن عيسى مخلوق ليس هو الكلمة (كن) وإنما بها كان وسمي بكلمة الله لأنه بها خُلق وليس له أب وسوف يمر بنا هذا تفصيلًا .
ب - آية سورة النساء - السابق ذكرها (171) - تكفي وحدها للرد على ادعاءات النصارى واستنتاجاتهم المزعومة من خلال قوله تعالى وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ أو بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أو ما يشاكل ذلك من الآيات .
فالآية تدل على أمور منها :
1 ) نهي النصارى عن الغلو في دينهم وتحذيرهم بأن لا يقولوا على الله - سبحانه وتعالى - إلا الحق ومن أول ذلك : عدم الغلو في المسيح فهو ليس إلا رسول الله - سبحانه وتعالى - وعبد من عبيده .
2 ) نسبت الآية عيسى نسبًا بشريًا بينًا إلى أمه مريم ابنة عمران عليهما السلام .
3 ) حذر الله النصارى عن أن يقولوا بالتثليث ومنه إدخال عيسى واحدًا من الثلاثة المزعومين باعتباره أنه إله منهم .
4 ) أوضحت الآية على سبيل الحصر أن الله - سبحانه وتعالى - ليس إلا إلهًا واحدًا منزهًا عن أن يكون له ولد وهذا يرد على ادعائهم أن عيسى ابن الله .
5 ) هذه الآية حجة برهانية قاطعة تثبت بلغة الأرقام أن الله واحد أحد وحدانية لا يشوبها أدنى احتمال للشراكة معه وذلك من خلال نفيها للثلاثة والتثليث وإثباتها في الوقت نفسه أن الله واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد وليس واحدًا في ثلاثة أو ثلاثة في واحد مع تحذير النصارى عن القول بالتثليث وتوعدهم على القول به .
6 ) أبانت الآية أن عيسى - عليه السلام - كلمة الله ألقاها إلى مريم فما المقصود بأنه كلمة الله؟ أو كلمة منه؟
يقول الإمام أحمد - رحمه الله - : " المعنى في قوله جل ثناؤه إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ (النساء : 171) . فالكلمة التي ألقاها إلى مريم : حين قال له كن ، فكان عيسى بكن وليس عيسى هو كن ، ولكن بكن كان . فالكن من الله قول ، وليس الكن مخلوقًا . وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى . . . وقلنا نحن إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة " .
ويقول أبو عبيد القاسم بن سلام : " وأما المسيح فالمراد أن الله خلقه بكلمة لا أنه هو الكلمة لقوله أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ولم يقل ألقاه ويدل عليه قوله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وكذلك قال شاذان بن يحيى : " ليس الكلمة صارت عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى " .
كما يقول ابن كثير - في قوله تعالى - إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ - : "أي إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه قال له كن فكان ، ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل - عليه السلام إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه عز وجل وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب الأم والجميع مخلوق لله عز وجل ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه لأنه لم يكن له أب تولد منه وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان والروح التي أرسل بها جبريل " .
كما يقول ابن كثير - في تفسير قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ (آل عمران : 45) . : " أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله أي يقول له كن فيكون وهذا تفسير قوله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ كما ذكر الجمهور " . ويقول ابن جرير : " قال آخرون : بل هي [ أي قوله كلمة منه ] اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء " .
ويروي بإسناده عن قتادة أنه قال : " قوله بِكَلِمَةٍ مِنْهُ قال : قوله كُنْ فسماه الله عز وجل كلمته لأنه كان عن كلمته " . وقال أبو عبيد : " كلمته : كن فكان " .
وكلمة الله التي قيلت لعيسى في القرآن وسمي بها هي مضافة إلى الله سبحانه وتعالى وقد قسم ابن تيمية رحمه الله المضاف إلى الله تعالى إلى قسمين : إضافة صفات وإضافة أعيان " فالصفات إذا أضيفت إليه تعالى كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرضا والغضب ونحو ذلك دلت الإضافة على أنها إضافة وصف له قائم به ليست مخلوقة لأن الصفة لا تقوم بنفسها ولابد لها من موصوف تقوم به ، فإذا أضيفت إليه علم أنها صفة له لكن قد يعبر باسم الصفة عن المفعول بها ، فيسمى المقدور قدرة والمخلوق بالكلمة كلامًا والمعلوم علمًا والمرحوم به رحمة " . فعيسى عليه السلام ليس هو عين الكلمة وإنما قيل له كلمة الله لأنه خلق بالكلمة ولم يكن له أب تولد منه وإنما هو ناشئ ومخلوق عن الكلمة : كن .
ثم إن الإضافة من حيث اللغة " نسبة بين اسمين " . ويشترط فيها أن " لا يضاف الاسم إلى مرادفه فلا يقال : ليث أسدٍ " .
بينما يزعم النصارى أن عيسى هو الكلمة وأن الكلمة هي الله مما يعني تبعا لذلك أن اسم عيسى ولفظ الجلالة (الله) اسمان ومسميان مترادفان عند النصارى - والعياذ بالله - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا مما يبطل هذه الإضافة لغة وعقلًا لأنها حينئذ حسب اعتقاد النصارى تصبح مكونة من اسمين مترادفين ولا تصح هذه الإضافة إلا إذا كانت تدل على اسمين وذاتين يختلف كل منهما عن الأخرى .
ثم من جهة أخرى فإن هذا التركيب المكون من المضاف والمضاف إليه يدل لغة على معنى يختلف عن المقصود بالمضاف إليه وحده فقط ، أو بالمضاف فقط فإذا قلنا : محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن المراد بالتركيب الإضافي في هذه الجملة - وهو قولنا (رسول الله) - المكون من المضاف (رسول) ومن المضاف إليه لفظ الجلالة (الله) هو رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الإنسان المخلوق ، أما المضاف إليه وحده فإنه لفظ الجلالة اسم الله سبحانه وتعالى وشتان ما بين الرسول المخلوق والمرسِل الخالق سبحانه وتعالى فالمضاف إليه يدل على مسمى معين والتركيب من المضاف والمضاف إليه يدل على مسمى آخر مختلف كليًّا عن ما يدل عليه المضاف إليه .
ابو حازم غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:41 AM